دكتوره رانيا عمار تكتب عن : اكتشاف علمي ثوري لحل أزمة البلاستيك

في طفرة علمية أذهلت الأوساط البيئية والعلمية حول العالم، أعلن فريق من علماء جامعة ييل (Yale University) عن اكتشاف كائن حي نادر قد يحمل مفتاح الحل لأحد أخطر تحديات البيئة الحديثة: تراكم البلاستيك في الطبيعة.
من قلب الأمازون… إلى قلب المعامل
القصة بدأت عندما سافر فريق من الباحثين إلى غابات الأمازون الممطرة، المعروفة بتنوعها البيولوجي الغني واحتوائها على مخلوقات لا تُوجد في أي مكان آخر من العالم. وبين أشجار الغابة الكثيفة وتحت ظروف مناخية استوائية، عثر العلماء على فطر نادر يُعرف باسم Pestalotiopsis microspora.
لكن ما يجعل هذا الفطر فريدًا ليس فقط مكانه أو ندرته، بل قدرته غير العادية على التغذية على البلاستيك!
فطر يتغذى على البلاستيك؟!
نعم، هذا صحيح. أظهر الفطر قدرة مذهلة على تفكيك مادة البولي يوريثين (Polyurethane)، وهي إحدى المواد البلاستيكية الصناعية الشائعة، والتي عادةً ما تستغرق مئات السنين لتتحلل في الطبيعة.
الأكثر إثارة هو أن الفطر لا يحتاج إلى وجود أكسجين ليقوم بهذه العملية، أي أنه قادر على البقاء والتغذية على البلاستيك حتى في البيئات الخالية من الهواء مثل مكبّات النفايات المدفونة.
كيف يعمل هذا الفطر؟
الفطر Pestalotiopsis microspora يفرز إنزيمات خاصة قادرة على تحليل الروابط الكيميائية القوية التي تتكون منها المواد البلاستيكية. في الظروف الطبيعية، البلاستيك يقاوم التحلل بفعل الحرارة أو الرطوبة أو البكتيريا، لكن هذا الفطر يحوّله إلى مصدر كربون يستخدمه كغذاء لتنمو خلاياه.
أهمية الاكتشاف
هذا الاكتشاف يُعد نقلة نوعية في مجال العلوم البيئية والتكنولوجيا الحيوية، لأنه:
يفتح الباب أمام حلول بيولوجية طبيعية لمعالجة أزمة النفايات البلاستيكية.
يمهد الطريق لتطوير أنظمة تعتمد على الفطريات لتحليل البلاستيك في مكبات النفايات أو حتى في المصانع.
يعزز الاتجاه العالمي نحو التقنيات البيئية المستدامة وتقليل الاعتماد على الطرق الكيميائية المكلفة والمضرة.
ماذا بعد؟
رغم أن الفطر تم اكتشافه حديثًا، إلا أن الأبحاث ما تزال جارية لتطوير استخدامه على نطاق صناعي واسع. يتطلب الأمر هندسة حيوية دقيقة لضمان فعاليته وأمانه البيئي عند استخدامه خارج مختبرات البحث.
ختامًا… الطبيعة تدهشنا من جديد
في زمن يئن فيه كوكب الأرض تحت وطأة ملايين الأطنان من النفايات البلاستيكية، يأتي هذا الفطر كـ”منقذ طبيعي”، يُذكرنا بأن الطبيعة تملك دائمًا حلولًا لمشاكل صنعها الإنسان، إذا ما سعينا لاكتشافها وفهمها.
دكتوره رانيا عمار
استاذ مساعد بمعهد بحوث وقاية النباتات



